فقر الفكر وفكر الفقر

كنت أتجول بعيني بين عناوين عدد من الكتب ولفت انتباهي بشدة عنوان الكتاب محور عرضنا اليوم” فقر الفكر ..وفكر الفقر” بل أنه يمكنني القول أن ذلك العنوان وحده أثار بداخلي أفكار كثيرة لحظة قراءته مما دفعني لشرائه وزاد حماسي أسم المؤلف د. يوسف إدريس الذي تخصص في الطب لكنه برع في الكتابات الأدبية بأنواعها المختلفة من قصص ومسرحيات وروايات وغيرها الكثير.
الكتاب مكون من حوالي ثلاثمائة وخمسين صفحة من القطع الصغير ويحوى عدد كبير من المقالات للمؤلف، وتختلف تلك المقالات في موضوعاتها لكن يجمعها سياق واحد هو رصد لملامح “فقر الفكر …وفكر الفقر” في مجتمعنا المصري.

في التقديم أشار إدريس إلى أن الحديث عن “فقر الفكر …وفكر الفقر” مشروع ظل يراوده لمدة طويلة تقترب من الثلاث سنوات وظل يكتب طوال تلك السنوات عن فكرته بشكل منفصل متابعاً ما وصلت له حياة الناس في المجتمع من حوله ليكتشف بنهاية متابعته الدقيقة للحال طوال تلك السنوات إن المجتمع المصري يدور بأفراده في دائرة جهنمية مفرغة من الأفكار التي تؤدى بالنهاية لفقر في الحياة والإنتاج ومن ثم فقر فكري وهكذا دواليك.
تلك الدائرة المخيفة أصبح حلم كثيرين أن يخرج مجتمعنا منها ولكن كيف الخروج من دائرة ممتدة بهذا الشكل؟ هذا هو السؤال الصعب الذي يرى إدريس أن الإجابة عليه لا يمكن أن تدون في نقاط محددة فالطب يقول أن التشخيص هو ثلاثة أرباع العلاج لكن في حال مجتمعنا هو العلاج نفسه وذلك لأن الشعوب باعتقاد أدريس حين تعرف مشكلاتها فإنها بغريزة الدفاع عن النفس وبالسليقة تدافع عن نفسها بشكل تلقائي أوتوماتيكي من الأخطار التي تقف في وجه مستقبلها،ولهذا جاءت سطور إدريس في الكتاب محور عرضنا اليوم لترسم دائرة كبري على الخطر المحدق بمستقبل مجتمعنا لعل غريزة الدفاع عن النفس تستيقظ في داخلنا وندرك حجم الخطر فنواجهه.
“الفقر ليس وضع اقتصادي”

الفقر كما أوضح إدريس لا يعنى فقط الاحتياج المادي الذي يهبط بمجتمع لمستوى أقل من مثيله في البلاد الأخرى،وإنما الفقر الحقيقي هو الذي يظهر على أناس حالهم المادي مرتفع لكن طريقتهم في الحياة وتعاملهم مع الثراء ليس إلا انعكاساً لما يعانونه من الفقر في صورته الواضحة الصحيحة.
فالفقر ليس وضع اقتصادي وشكل لحالة مادية وإنما وضع بشري يتصرف من خلاله الإنسان بفقر ويفكر بذات الفقر بل وخياله ذاته يكون فقير،فالغنى هو من يمتلك نفساً غنية وليس حفنة أموال لاتصرف إلا على موسيقي” السح الدح إمبو” ولا تحقق لصاحبها استمتاع إلا من خلال الكباب وشرب الويسكي والحشيش ومزاولة طقوس الحج دون فهم.

هناك فقراء اقتصادياً لكن ثراءهم الروحي يمنحهم الفرصة ليستمتعوا ويمتعوا من حولهم وتأكيداً لتلك الفكرة أشار إدريس لقصة عايشها في حياته لرجل يطلقون عليه “مليونير” حيث يمتلك الكثير من الأموال لكنه يتعامل معها بفقر في كل شيء والعجيب أن من يعمل لديه”سفرجي” كان أكثر في الغنى النفسي منه رغم أنه لا يمتلك إلا القليل من الأموال!!
فعندما مات ابن”السفرجي” أراد هذا الرجل البسيط أن يحيي ذكرى ابنه بطريقة إنسانية جداً فأقام ثلاجة شرب مياه نقية في منطقة طبيعتها الجوية شديدة الحرارة ويكثر فيها تواجد العمال البسطاء وهو بهذا العمل بأمواله القليلة أكد أنه أغني بكثير من سيده صاحب الأموال الكثيرة … ليبقي السؤال هنا من الفقير ومن المليونير؟

الجشع المادي الشديد والذي يدفع بالأغنياء مادياً لأن يتحولوا لمسعورين أحد نتائج فقر الفكر لهؤلاء فبعد أن يحققوا غناهم المادي الكبير يبدؤون في طرح أفكارهم الفقيرة في المجتمع مما يجعل الفقراء مادياً محاصرين بأفكار فقيرة من جهة الأغنياء ومعتقدات خطيرة من مدعى التفكير الديني من جهة أخرى والذين يلقنون هؤلاء البسطاء أفكار خطيرة على اعتبارها الخلاص ولكنها في حقيقتها أفكار حادة كقسوة الفقر المادي لا تحمل أي قدر من الإنسانية وتعكس فكر مشوه عن الدين.
“مصر لها رب اسمه الكريم”

المجتمع المصري يعاني من مشكلات متعددة قد يكون لها حلول لكن نتيجة فقر الفكر في قيادات هذا المجتمع لا تظهر ابتكارات حقيقية لحل تلك المشكلات فلا نجد سوى التخبط حيث تصدر قرارات لتحل محلها أخرى دون فهم.
فمتخذي القرار فقراء في إطلاعهم على الواقع قليلي الدراسة ونتيجة هذا تخرج مصر من أزمة لتدخل في أخرى نتيجة الفقر الفكري الذي يدفع لأخر مادي ثم فكري وهكذا الدوران في دائرة الفراغ تلك.

ما يقدم من أعمال فنية على شاشات السينما والمسارح المصرية يؤكد إدريس أنه نتاج الفقر الفني حيث يملأ فقراء الفكر الساحة ببذاءاتهم ويقدمون أفلام تخاطب نصفهم الأسفل وأغنيات على شاكلة “يا مه الدبور قرصني” وذلك الفن الفقير يخلق أرواحاً فقيرة تدور في دائرة الفراغ لتنتج فقر مادي حقيقي وتردى في كافة المناحي وذلك لأن جهاز الحكومة ما هو إلا جهاز مسئوليات وليس جهاز تفكير لأن الذين يفكرون لا يحكمون والذين يحكمون لا يفكرون ولهذا مصر الدولة ليس لها حكومة وإنما رب اسمه الكريم،خاصة وأن الصحافة كما يرى إدريس أدركت أن الشكوى لغير الله مذله فتوقفت عن عرض شكوى المواطنين مما حول مصر التي كانت أمنية وأغنية في فم أبنائها إلى عقوبة يضطر البعض للبقاء فيها محكوماً عليهم بألا يفيقوا أبداً من الأزمات.

” رمضان شهر الطعام وليس الصيام”

رمضان كما أكد إدريس هو شهر للصيام ومراجعة النفس والعبادة كما يؤمن كافة أبناء العقائد المختلفة في مفهومهم للصيام،إلا أن هذا الشهر تحول على أيدي المصريين لشيء أخر يوافق أمزجتهم وأهواءهم فأصبح رمضان شهر للطعام حيث تنتشر خلاله مظاهر”الفنطزية” التي تعلمها المصريين من الفاطميين ولهذا غير مثير للعجب مانشتات الجرائد قبيل شهر رمضان التي تعلن عن استيراد مائه ألف طن لحوم وتوفير كذا ألف طن سمن وأرز وسكر ودقيق بمناسبة ذلك الشهر الذي يستهلك فيه المصريين ما يزيد عن الثلاثين في المائة من متوسط الاستهلاك في الشهور العادية…لكن كل تلك المظاهر ليست كل الأمر كما أشار إدريس وإنما الكارثة الحقيقية تكمن في أن شهر رمضان هو شهر الإضراب عن العمل والإنتاج فكل شيء مؤجل لما بعد هذا الشهر تحت عبارة”كل سنة وأنت طيب” والدنيا صيام والمواطن يذهب لعمله ليؤدى صلاة ثم أخرى وهكذا ليعود لمنزله ليأكل ويأكل ويشاهد التليفزيون ويستمع لفوازير لا تضيف له معلومات وإنما تنتقص من معلوماته وهذا هو المدهش لكنها عبقريتنا نحن المصريين.

وبمناسبة الحديث عن التليفزيون أورد إدريس خبرة حدثت له أثناء زيارته للندن حيث كان غير قادر على مغادرة الفندق الذي كان يقطنه ولهذا جلس طوال الوقت أمام التليفزيون ولكنه لم يشعر بالملل من تلك الجلسة بل تعجب من حجم الأفاق الواسعة التي خلقها له التليفزيون تعلم من خلاله التاريخ ورأي الجغرافيا تفهم مشكلات الحياة في بريطانيا بحيث أنه بعد متابعة التليفزيون البريطاني شعر وكأنه قرأ عده كتب عن ذلك المجتمع المدهش.

“مارسيل …الملحق الثقافي”

هولندا بلد مختلف في حياة إدريس وأكثر من مرة كان يعبر عليها كمسافر ترانزيت،وفي كل مرة كان يمر بها على تلك البلد كان يلمح حجم التقدم الذي تعيشه وحجم الازدهار في كل شيء ليعود ليسأل ذاته لماذا طرقنا غير مستقيمة كطرق هولندا؟ لماذا فهمنا للعمل والنجاح والإنتاج يختلف عن فهمهم رغم أن البشر والخامات متشابهة في الشكل؟ لكنه يعود ويرجع هذا لفقرنا الفكري الذي بسببه ضعفنا في كل شيء وتطوروا هم في كل شيء إنتاج وفن وذوق وحياة.

هولندا لم تؤثر فقط بجمالها ونظامها في نفس إدريس بل بما هو أكبر من ذلك فذات يوم زاره شاب هولندي في نهاية العشرينات من العمر بمكتبه بالأهرام وقدم له ذاته على أنه”مارسيل” الملحق الثقافي للسفارة الهولندية وأنه أتى للقاهرة ليس فقط ليعمل ملحق ثقافي وإنما ليحضر للدكتوراه في الخط الاجتماعي في أدب يوسف إدريس ولهذا زار الكاتب ليحدد معه عده لقاءات لمناقشة نقاط رسالته معه،وهذا الشاب ترك بذكائه وإلمامه الكبير بما يناقشه من أفكار العديد من التساؤلات في عقل إدريس تتعلق غالبيتها بطبيعة العقلية الهولندية التي كانت وراء تعيين”مارسيل” ملحق ثقافي والعقليات التي تدير تعيينات ملحقينا الثقافيين والذين غالباً يختاروا من بين رجالات وزارة التعليم العالي أو التربية والتعليم وليس لهم أدنى علاقة بمهام وظيفتهم.

” الحرية كفاح الإنسان من أجل التحقق”
أوضح إدريس أن ذكر كلمة”الحرية” هكذا مجرده تشعره بالغيظ لأن الحرية ليست مجرد شيء هكذا في الهواء ليست مجرد رغبة بشرية إنما تحتاج لكفاح ونضال من الإنسان لتتحقق،كما أن الحرية بمفردها كمصطلح لا معنى حقيقي لها المعنى يتضح فيما هو مقترن بها من مفرد لغوي فمثلاً حرية الصحافة شعار رائع لكن لكي يتحقق يحتاج لضمانات يتحقق من خلالها.
الديموقراطية كذلك كمصطلح برأي إدريس مثلها مثل الحرية تظل بمفردها كلمة جوفاء لا معنى حقيقي لها إلا من خلال وسائل وحياة ديموقراطية.
شعار ثورة يوليو كان “إقامة حياة ديموقراطية سليمة” وهذا الشعار ووفق رؤية إدريس غير سليم لأنه لا توجد حياة ديموقراطية سليمة وأخرى غير سليمة وإنما توجد حياة ديموقراطية أولا توجد على الإطلاق لكنها لعبتنا التي أتقناها عدم تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة.

وهذا التحايل على المصطلحات أمتد كما أكد إدريس ليشمل التحايل على تطبيق أنظمة اقتصادية بعينها داخل مجتمعنا فنحن لسنا اشتراكيين ولسنا رأسماليين لأن الرأسمالية تستلزم إقامة حياة ديموقراطية كاملة تكفل حرية تكوين الشركات والأحزاب وحرية اختيار ممثلي الشعب لأن البقاء يكون للأصلح والأقوى ليسقط غير الجدير بالصمود،وهذا التذبذب بين نظامين مختلفين ندعي انتماءنا لهم الاثنين معاً يجعلنا غير منتجين لأن الإنتاج الحقيقي يتطلب منا أن نرسو على بر فإما رأسماليين بكل ضمانات العدالة والديموقراطية وإما العكس فمرحلة وجودنا الحقيقي لن تتحق دون أن نحدد إلى أي اتجاه من مفترق الطرق سنتجه.

بالنهاية يمكننا القول أن فقر الفكر وفكر الفقر امتداد يتخذ شكل دائري لحالة التردي التي نعيشها ولهذا لا يمكننا تحديد من منهم يسبق الأخر أو يؤدى له….ليبقي السؤال متى نتخطى الحديث عن تشخيص واقعنا لنتجه نحو اختيار مفردات للحل تؤدى بنا لمستقبل مضيء بالتقدم والرقي.

You may also like...